|
||||
|
في الذكرى الرابعة لغزو العراق " السنوات الاربع التي اسقطت المشروع الامبراطوري الامريكي " * مقدمة: يعّز علينا ونحن نفتتح هذا اللقاء ان نرى المسيرات الشعبية تنطلق في عواصم العالم ومدنه، لا سيما امام البنتاغون في واشنطن وفي لوس انجلوس عاصمة الساحل الغربي الامريكي، مطالبة بسحب قوات الاحتلال في العراق ولا نرى تحركات شعبية مماثلة في وطننا العربي وعالمنا الاسلامي حيث الشعوب مكبلة اما بقيود الحكام او بانشغالات الحياة اليومية او بانقسامات السياسة، ولكن ما يعزينا اننا في بيروت لم نفارق معاناة شعبنا العراقي يوماً واحداً، ولا تركنا فصلاً واحداً من فصول عطائه المتدفق، بل كنا وهذا الاهم واثقين جداً، حتى في الايام القاتمة التي رافقت احتلال بغداد، ان قوات الاحتلال ستتحطم على اسوار بغداد وفي بساتين بغداد، بل على اسوار كل مدينة وبلدة وقرية عراقية وفي شوارعها الفسيحة او الضيقة، وكنا مدركين ان الجبروت الامريكي غير المسبوق بقوته سيكون قادراً على احتلال العراق لكنه لن يكون قادراً على السيطرة على هذا البلد العزيز المنيع الذي تحطمت فوق ترابه الكثير من الغزوات. اما عزاؤنا الآخر في هذه المناسبة، ان الاخبار قد حملت نبأ محاكمة السيد كونراد بلاك صاحب صحيفة الدايلي تلغراف اللندنية بتهم الفساد واختلاس اكثر من 84 مليون جنيه استراليني ، وهي تهم حاولت صحيفته لاسباب صهيونية ان تسوقها، دون جدوى، ضد واحد من ابرز احرار العالم، واصدقاء العرب النائب البريطاني جورج غالاواي في محاولة لترهيبه وثنيه مع غيره من شرفاء العالم، عن دعمهم لشعب العراق، وشعب فلسطين وشعب لبنان، تماماً كما تحاول اوساط عديدة ان ترهب مناضلين آخرين سواء بالشائعات المفبركة او لوائح الافتراء والتضليل، ولكنهم لا يدركون ان الحقيقة ساطعة لا يمكن حجبها، وان الشعوب منتصرة لا يمكن لجمها، وان الاحرار ثابتون في مواقفهم لا يمكن ان يتراجعوا او يتخاذلوا. ايها الاخوات والاخوة في بداية حديثي عن "السنوات الاربع التي اسقطت النظام الامبراطوري" لا بد من تسجيل جملة ملاحظات واستدراكات تتصل بعنوان الحديث، كما بمضمونه. الملاحظة الاولى: ان الحديث عن سقوط النظام الامبراطوري الامريكي لا يعني اطلاقاً نهاية النفوذ الامريكي في العالم، ولا حتى عن سقوط المرّكب الصناعي – العسكري المتحكم بصناعة القرار في واشنطن، والذي تحدث عنه عام 1952 الرئيس الامريكي الراحل ايزنهاور وهو يغادر البيت الابيض، بل هو حديث بالدرجة الاولى عن سقوط التجّلي الاكثر عدوانية، والاكثر شراسة، والاكثر تعلقاً بجملة اوهام ايديولوجية واساطير دينية بدأت في البروز في الثمانينات، ووصلت الى ذروتها مع وصول جورج بوش الابن الى سدة الرئاسة في البيت الابيض عام 2000 لتلتهب في الحياة السياسية والعسكرية الامريكية بعد احداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001، ولينطلق معها بوش ومحافظوه الجدد في تنفيذ ما اسموه استراتيجية القرن الحادي والعشرين الذين ارادوه بوش امريكياً. الملاحظة الثانية: ان المشروع الامبراطوري الامريكي ليس مرتبطاً فقط بالحقبة الراهنة من تاريخ الولايات المتحدة، ولا بالقيادة الحالية فحسب، بل انه مشروع كان يطل برأسه بين الفينة والاخرى، وفي معظم الادارات التي تعاقبت على قيادة الولايات المتحدة، وان كان هذا المشروع قد اتخذ مع بوش الابن ومحافظيه الجدد مظهراً اكثر عقائدية، واقل براغماتية واشد عناداً وهجومية. فكما يقول زميلنا في الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي المقيم في واشنطن الدكتور كمال خلف الطويل في مقالته المعبّرة "حزب الحرب":" لا يجب بحال من الاحوال حصر تبعية هذا الحزب بالجمهوريين.. هذا خطأ يبعد عن الحقيقة سنوات ضوئية. ومن باب الاشارة لا الحصر التنويه عن محورية دور سيناتور ديمقراطي من ولاية واشنطن هو هنري جاكسون والذي من مكتبه تم استيلاد نماذج عرفت بالمحافظين الجدد ومنهم كثر أهمهم ريتشارد بيرل. وما ليندون جونسون وكلارك كليفورد وروبرت ماكنمارا ووالت روستو وسام نن ووليام بيري وليس إسبن وانتوني ليك وجيمس وولسي إلا حفنة من رجالات حزب الحرب الذي يحملون بطاقة عضوية الحزب الديمقراطي والذين يفوقون في تشددهم وصقوريتهم "عقلانيين" من رجالات الحزب الجمهوري أمثال نيلسون روكفلر وتشاك هيغل ووليام روجرز ووليام سكرانتون". الملاحظة الثالثة: ان الحديث عن السنوات الاربع التي تلت الغزو الانكلو - امريكي، والمؤامرة الصهيو- امريكية، ضد العراق، لا يعني حصر الحديث بالدور التاريخي والاستثنائي الشجاع للمقاومة العراقية، بكل فصائلها ومستوياتها، في تحويل مأزق الاحتلال في العراق الى مأزق للمشروع الامبراطوري الامريكي برمته في العالم، بل انه يشمل ايضاً تأثير ما شهدته هذه السنوات من صمود بطولي وتضحيات خارقة قدمها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال المستمر، والعدوان اليومي، والحصار المتصاعد مبدداً بذلك اوهام اخضاعه واستسلامه لاملاءات العدو وداعميه، كما انه يشمل ايضاً تداعيات الهزيمة المدوية التي لحقت بالكيان الصهيوني، جيشاً وحكومة، مشروعاً وعقيدة، على يد المقاومة اللبنانية الباسلة خلال الصيف الفائت، وهي الهزيمة التي ما زالت تداعياتها متواصلة على كل صعيد، ناهيك عما حققته المقاومة الافغانية من انجازات مع تصاعد الحديث عن انكسار كبير لقوات الاحتلال الاطلسي خلال العام الحالي حسب تقديرات افرايم هاليفي رئيس الموساد الصهيوني في مقالة له في يديعوت احرونوت في 5/3/2007. الملاحظة الرابعة: ان حديثنا عن تراجع المشروع الامبراطوري الامريكي او سقوطه، وبعد التدقيق في صحة هذه المقولة، ليس مجرد الاقرار بحقيقة تاريخية موضوعية فحسب، بل هو دعوة لاعادة قراءة مجمل التطورات المحلية والعربية والاقليمية والدولية في ضوئها، فيزداد المقاومون والممانعون ايماناً بسلامة نهجهم، واقتناعاً بصوابية خيارهم، وادراكاً لفعالية تأثيرهم، تماماً كما يتراجع الواهمون والمراهنون عن تقديراتهم ورهاناتهم وتنظيراتهم وقد ملأوا بها اجواءنا السياسية والاعلامية التي انطلقت من ان الهيمنة الامريكية والصهيونية قدر ينبغي الاذعان لاملاءاته والانصياع لشروطه. الملاحظة الخامسة: ان علينا ان نتذكر دائماً، ونحن نواجه موجات الخيبة ودعوات الاحباط وحملات التيئيس التي تحاصرنا من كل حدب وصوب، ان دور المقاومة والممانعة في امتنا على امتداد ساحات المواجهة مع الاحتلال والعدوان والهيمنة، كان دوراً حاسماً في افشال المشروع الامبراطوري على المستوى الدولي وارباك المشروع العنصري الصهيوني على المستوى الاقليمي، في مرحلة كانت سمتها الابرز روح الاستكانة التي طغت على دول كبرى، وقوى عظمى، وأمم متقدمة، امام السطوة الامريكية المتمادية، كما طغت روح الانصياع والاذعان والتواطؤ للاملاءات الامريكية على العديد من انظمة المنطقة وقياداتها في العديد من الأزمات. ان هذه المقاومة العربية والاسلامية لم تسهم في تحرير ارادة الامة من الخنوع والخضوع فحسب، بل انها بارباكها القوة الاعظم في العالم انما تساهم في تحرير العالم بأسره، بل في تحرير المجتمع الامريكي نفسه الذي ينتفض اليوم على سياسات ادارته، وفي مساعدة دول كبرى على التململ في وجه القطب الامريكي الاوحد بما يفتح الطريق لميزان جديد في العلاقات الدولية يولد أساساَ من رحم مقاومتنا العربية والاسلامية عموماً، ومقاومتنا العراقية خصوصاً. الملاحظة السادسة: ان الحديث عن سقوط النظام الامبراطوري الامريكي لا يجوز ان يفهم بأي حال من الاحوال سقوطاً لعلاقة نحرص عليها مع الشعب الامريكي، ومع مجتمعه الزاخر بعناصر القوة والمعرفة والتقدم، بل على العكس من ذلك تماماً فان سقوط هذه النزعة الامبراطورية يؤدي الى سقوط حاجز كثيف بين امتنا والمجتمع الامريكي الذي وقفت طلائعه وقواه الحية ضد حروب ادارته على بلادنا منذ سنوات وحتى الساعة. بل انني اجد نفسي مضطراً لان اردد ما قلته في كلمة في الالاف من شباب لبنان وطلبته المعتصمين امام السفارة الامريكية في عوكر في مثل هذه الايام قبل عامين: "بأننا هنا لكي نوجه رسالة الى الشعب الامريكي نقول فيها نحن ضد سياسة ادارتكم التي تقتل ابناءكم كما تقتل ابناءنا، وتنهب مواردكم كما تنهب مواردنا، وتسيء الى قيمكم ومثلكم كما تسيء الى قيمنا ومثلنا". الملاحظة السابعة والاخيرة: هي ان سقوط المشروع الامبراطوري الامريكي، لا يعني حتمية صعود المشروع النهضوي العربي، وان كان ذاك السقوط يزيح عقبة رئيسية من امام نهضتنا وتقدمنا، ذلك ان لنهوض امتنا ايضاً شروط ذاتية تكمن في بناها وعلاقاتها ومستوى وعيها وقدرتها على توحيد طاقاتها وتنمية اقتصادها، واحترام حرية انسانها وحقوقه، وتحقيق العدالة بين ابنائها وصياغة العلاقة المتجددة الصحيحة مع تراثها الحضاري، فلا انكار للقيمة الروحية والثقافية الضخمة لهذا التراث، ولا الجمود في اسره بعيداً عما يشهده الكون من تقدم وتحديث وتطور انساني وعلمي وتكنولوجي. ايها الاخوات والاخوة... قبل اكثر من عقدين ونيف، وفي كتابه "صعود الامبراطوريات وسقوطها"، الذي بدا وكأنه سباحة عكس التيار السائد آنذاك، قدم المفكر الامريكي الشهير بول كينيدي رؤيته لسقوط الامبراطوريات بما اسماه حينذاك "بالتمدد العسكري" لهذه الامبراطوريات والذي يفوق قدراتها وامكاناتها الاقتصادية والبشرية، فيتحول الى عبء عليها يقود حتماً الى تراجعها وانكفائها. ولقد تكرر هذا "التعبير" في الآونة الاخيرة على لسان كبار القادة العسكريين والاستراتيجيين الامريكيين كالجنرال جون ابي زيد قائد القيادة المركزية الوسطى للقوات الامريكية الوارد في العدد ما قبل الاخير من مجلة "الايكونوميست"، وعلى لسان الجنرال بيتر بابس رئيس هيئة الاركان المشتركة الامريكية امام الكونغرس والذي نشر في صحيفة الواشنطن بوست (27/2/2007) الذي قال: "ان القوات العسكرية الامريكية في حال تآكل، وانه بسبب تقييدها بطلبات الحرب على العراق وافغانستان فانها لمخاطرة كبرى ان تتجاوب بسرعة وبشكل كامل لمتطلبات ازمة جديدة". ومارشال الجو البريطاني، قائد القوات المسلحة السير جون ستيرأب استعمل تعبير كينيدي ذاته" التمدد" امام لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني حين قال: "بان التزامات بلاده الحالية لن تسمح بأي تورط في أي قتال واسع لسنوات قادمة (مجلة التايمز 7/3/2007)". وفي اشارة الى حجم العقبات التي يواجهها جيش الاحتلال الامريكي في العراق اعلن فريق بغداد للادمغة" Baghdad Bran Trust ( وهو الفريق الاستشاري للجنرال باتريوس قائد القوات الامريكية الجديد في العراق) مطلع الشهر الجاري، وحسب صحيفة الغارديان ، "ان الستة الاشهر القادمة هي فرصتنا الاخيرة حيث الخيار المطروح "انجح او اترك"Make it or Break . وفي معرض تعداد العقبات التي تواجهها قوات الاحتلال اشار الفريق الى خمس عقبات: 1. قوات غير كافية على الارض. 2. تفكك التحالف الدولي. 3. توقع بازدياد العنف في الجنوب مع انسحاب القوات البريطانية. 4. مشكلات لها علاقة بمعنويات الجنود مع ازدياد الخسائر (واحد من كل اربعة مصاب باضطراب نفسي او عقلي حسب تقرير طبي). 5. الارادة السياسية في واشنطن و(او) في بغداد.
ان هذا المأزق العسكري الكبير هو الذي دفع صحيفة لوس انجلوس تايمز ان تنقل في عددها الصادر في 12/3/2007 ان مخططين عسكريين امريكيين بدأوا باعداد خطة للتراجع تشمل انسحاباً تدريجياً وتركيزاً على تدريب القوات العراقية بالاستفادة من التجربة الامريكية في السلفادور. الصحيفة الصادرة في الساحل الغربي للولايات المتحدة، والتي كانت اول من كشف خلال حرب تموز ان الاعداد العسكري الاسرائيلي لهذه الحرب قد بدأ قبل عام على العدوان، نقلت أيضاً على لسان مسؤول في البنتاغون "هذا الجزء من العالم (الشرق الاوسط) لديه حساسيته تجاه الوجود الاجنبي وان امامنا (أي الجيش الامريكي) فرصة قصيرة نسبياً". واقرار هذا المسؤول الامريكي جاء نتيجة الكثير من استطلاعات الرأي التي اجراها البنتاغون نفسه، والعديد من الاجهزة الامريكية داخل العراق، والذي اظهر بشكل عام ان اكثر من 3/4 العراقيين يعتقدون ان حال العراق اليوم أسوأ مما كانت عليه قبل الاحتلال، وان وجود الاحتلال يتسبب في تردي الوضع الامني الذي سيصبح افضل في غياب قوات الاحتلال. ولقد توج هذه التحذيرات السيد بريجنسكي مستشار الامن القومي للرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر، واحد كبار المعارضين للحرب على العراق قبل اندلاعها، الذي قال في مقالة له بعنوان" خارطة طريق للخروج من العراق " ان الحرب في العراق كارثة تاريخية استراتيجية واخلاقية نفذت بموجب افتراضات زائفة وهي تقوض شرعية امريكا العالمية"، وقد شدد بريجنسكي على ان تؤكد الولايات المتحدة بشكل واضح نيتها بمغادرة العراق، وان تعلن عن انها ستبدأ في اجراء محادثات مع القادة العراقيين "الاصليين" الذين يستطيعون الوقوف على اقدامهم، وهم اولئك الذين يمتلكون سلطة حقيقية خارج المنطقة الخضراء لأن النظام العراقي الذي تعتبره ادارة بوش ممثلاً للعراقيين هو محدد بمساحة اربعة اميال مربعة داخل القلعة الامريكية في بغداد ومحمي بجدار سمكه 15 قدماً". ولم ينس بريجنسكي في نهاية مقالته ان يدعو الولايات المتحدة الى مسعى صادق وقوي للوصول الى تحقيق سلام اسرائيلي – فلسطيني لانه بدون حل هذه المشكلة ستظل المشاعر القومية والاصولية في المنطقة ذات تأثير سلبي على الانظمة العربية التي ظلت تعتبر مساندة للهيمنة الامريكية على المنطقة. وليم اوتون، احد الجنرالات الامريكيين المتقاعدين وصاحب الخبرة الاستخباراتية العالية كتب في 11/2/2007 في صحيفة الواشنطن بوست "ان النصر ليس احتمالاً امامنا.. وان المهمة لا يمكن تنفيذها، ولا بد من استراتيجية جديدة". اما البنتاغون نفسه فقد اعد قبل ايام تقييماً كئيباً حسب صحيفة "القدس العربي" الصادرة في لندن... حول تصاعد العنف في العراق حيث لاحظ ان مستوى العمليات العسكرية ارتفع الى الف عملية في الاسبوع بمعدل 140 عملية في اليوم. وعلى هذا المنوال، تتكرر الخطب والمقالات والتصريحات، من داخل الادارة ومن خارجها، من داخل الكونغرس ومن خارجه، حول حجم الفشل العسكري الذي اصاب "الامبراطورية الامريكية" في العراق وافغانستان، واصاب قاعدتها الصهيونية الامامية المدججة في لبنان وفلسطين. ولقد رافق هذا الفشل ارقام متزايدة من القتلى والجرحى في صفوف القوات الامريكية ( وهو الرقم المعلن)، وارقام اعلى بكثير في صفوف المتعاقدين الامنيين، وحملة البطاقات الخضراء، والساعين الى نيل هذه البطاقات، فالارقام المعلنة عن عدد القتلى الامريكيين بلغت حتى اليوم حوالي 3250، ومن البريطانيين حوالي 140، ومن دول اخرى 125، اما الجرحى فتتراوح التقديرات لتصل الى 50 الف نصفهم مصاب بامراض نفسية خصوصاً بعد ان كشفت الدراسة الشهيرة التي اعدتها الاقتصادية الامريكية المعروفة ليندا بلايمز ان هناك رقمان لاعداد الجرحى، احدهما معلن من البنتاغون ولا يتجاوز 23 الف جندي، والاخر من دائرة شؤون المحاربين يصل الى خمسين الف جندي. واذا ربطنا هذا العدد المتزايد من القتلى والجرحى بفضيحة مركز "والترريد" الطبي العسكري، التي اظهرت حجم الاهمال الذي يعانيه الجنود الجرحى في هذا المركز الذي يعتبر واجهة الطب العسكري الامريكي، وقد زاره بوش عدة مرات، وهو اهمال ادى الى استقالة كبار المسؤولين في المركز وصولاً الى وزير الجيش نفسه الذي قدم استقالته ايضاً ليعلن البيت الابيض اعادة النظر في الخدمات الطبية المقدمة للجنود. اما على صعيد ما يسمى بالحرب على الارهاب فقد كشفت دراسة مفصلة للخبيرين في الارهاب بيتر برغن وبول كوريكشانك واشار اليها المفكر الامريكي نعوم تشومسكي في مقالته واشنطن، طهران النفط، "ان حرب العراق قد زادت "الارهاب" سبعة اضعاف في مختلف انحاء العالم.. ومن شأن تأثير الحرب على ايران ان يكون اكثر". فهل مأزق المشروع الامبراطوري الامريكي ينحصر بالجانب العسكري، ام يتعداه الى مختلف الجوانب الاخرى؟ السقوط الاخلاقي في الجانب الاخلاقي مثلاً كان سقوط المشروع الامبراطوري الامريكي مدوياً على عدة مستويات، خصوصاً ان اصحاب هذا المشروع، وخصوصاً الرئيس بوش قد اضفوا على مشروعهم سمة "الرسالة الالهية"، واعتبروا ان ما يقومون به هو "ارادة السماء"، وان الادارة الامريكية الحالية هي "صوت السماء على الارض"، وان حربها ضد ما تسميه الارهاب هي "حرب صليبية" جديدة، وهو بالمناسبة تعبير امتنع اجدادنا العرب والمسلمون عن استخدامه حين وصفوا الحروب المماثلة قبل اكثر من الف عام بحروب "الفرنجة" رفضاً للطابع الديني لهذه الحروب وتأكيداً على طابعها الاستعماري لا سيما ان العديد من المسيحيين في الشرق كانوا من ضحايا تلك الحرب ايضاً. فالسمة الاولى للاخلاقية الحرب على العراق كانت "الكذب" بكل معانيه، كذب في الاسباب (وجود اسلحة دمار شامل، وعلاقة النظام العراقي بالقاعدة) وهو كذب سرعان ما انكشف للامريكيين، وكذلك الكذب في المعلومات عن هذه الحرب تمثلت بتأسيس "دائرة تضليل استراتيجية" في البنتاغون كانت مهمتها اخفاء الحقائق وتزييفها خلال الحرب، او بعدها، سواء بواسطة اغراء وسائل الاعلام التي تم تخصيص مبالغ مالية خيالية لاستمالتها، او عبر ارهاب الاعلاميين سواء باغلاق قنوات فضائية واذاعات وصحف او حتى تهديدها بالقصف (كما كان حال قناة الجزيرة) او بقتل اكثر من 153 اعلامياً خلال اربع سنوات حسب ما كشفته منظمة مراسلون بلا حدود وهو رقم قياسي بكل المعايير. ولقد رافق الكذب، ارتكاب العديد من الجرائم الجماعية والفردية، وعمليات انتهاك صريحة لابسط حقوق الانسان، بما فيها الاغتصاب للفتيات العراقيات، وصولاً الى التعذيب الوحشي كما ظهر في معسكر ابي غريب، ومعتقل ابوكا في جنوب العراق، او في اقبية "وزارة الداخلية"، ناهيك عن القصف الوحشي لمدن واحياء وبلدات وقرى على امتداد العراق، بما فيها مؤخراً القصف الجوي المستمر لشارع حيفا في وسط بغداد بحيث تشير التقارير الى ان 1/9 من ضحايا الشعب العراقي الذين يقدرون بمئات الالاف قد استشهدوا بفعل القصف الامريكي المباشر. وبالاضافة الى القتل الجماعي والفردي، والتعذيب الوحشي، والمحاكمات الصورية المخالفة لابسط مبادئ العدالة والشفافية والالتزام بالقانون بما فيها قتل المحامين وسجنهم او طردهم، (كما جرى خلال محاكمة قادة البعث وعلى رأسهم رئيس جمهورية العراق ذاته الذي تم اغتياله في ظروف تشي بالدور الامريكي في اشعال الفتنة المذهبية)، فان اثارة الفتنة العرقية والطائفية والمذهبية، بكل تجلياتها، بدأت مع اللحظة الاولى لدخول قوات الاحتلال الى العراق ومعها الطائفية والمذهبية التي تحولت الى جرائم متعددة الاساليب لكنها موحدة الاهداف لخدمة الاحتلال واستمراره في ظل تلازم معروف، قديم وجديد، بين الاحتلال والفتنة وفق القاعدة الاستعمارية المعروفة فرق تسد. ولقد ادى ذلك كله ايضاً الى ان حوالي اربعة ملايين ونصف من اطفال العراق يعانون من سوء تغذية في بلد كان من أغنى بلدان المنطقة، وكان يملك احد أفضل الانظمة الصحية في العالم، كما ادى الى تشريد حوالي اربع ملايين عراقي باتوا اليوم "مهجرين"او "لاجئين" خارج بلدهم او داخله في عمليات الفرز الديموغرافي المذهبي التي تتم جرائمه تحت سمع الاحتلال وبصره، وهو الجهة التي تعتبرها اتفاقيات جنيف الدولية مسؤولة عن امن المناطق المحتلة وعن سلامة السكان فيها. ولم ينحصر الجانب اللاخلاقي لهذه الحرب بما تقدم من كذب وجرائم وانتهاكات، بل تعداه ايضاً الى توسع عمليات الفساد والافساد، والنهب والسلب، والتي بدأت مع الساعات الاولى للاحتلال وما زالت مستمرة. فالفضائح المالية داخل العراق تطال العديد ممن جاء بهم الاحتلال وعينهم وزراء ومديرين وغيرها وقد احيل العديد منهم الى التحقيق والمحاكمة وبينهم وزراء ومسؤولون كبار والمولجون بمكافحة الفساد انفسهم وقد اطلق عليهم اسم "هيئة النزاهة"، فلقد حملت التقارير مثلاً ان اكثر من 281 موظفاً في شركة النفط الوطنية في البصرة قد احيلوا على التحقيق في قضية سرقة النفط العراقي وتصديره دون عدادات مما الحق خسائر كبرى بالاقتصاد العراقي. اما الفضائح المالية داخل الادارة الامريكية، كما داخل امبراطوريات المشروع الامريكي، فهي اضعاف تلك المرتكبة على يد عراقيين، بل انها تطال شخصيات رفيعة المستوى داخل تلك الادارة. ففضيحة العقود التي تم ابرامها باسعار خيالية مع شركة هالبيرتون ذات الصلة الوثيقة بنائب الرئيس الامريكي قد انكشفت مع الايام الاولى للاحتلال، تماماً كما المليارات التي اختفت مع الحاكم الامريكي السابق بول بريمر، ناهيك عن 12 مليار دولار جاءت من واشنطن لاعمار العراق فضاعت على جداول وهمية، وعمليات موهومة، وما زال المراقبون الماليون يبحثون عنها، حتى بات الكثيرون من اهل الرأي في الولايات المتحدة يكتشفون ان بلادهم كدولة تخسر مبالغ ضخمة في العراق، فيما متنفذون امريكيون، افراداً وضباطاً وشركات، يحققون ارباحاً خيالية. هذا التصدع الاخلاقي المريع طال مؤسسات امريكية كان لها حرمتها وخصوصياتها وحصانتها كوكالة المخابرات المركزية حيث اشتهرت قضية تسريب اسم احد عميلاتها البارزات فاليري بليم بسبب رفض زوجها السفير جوزيف ويلسون تقديم معلومات كاذبة تخدم آلة التحريض على الحرب العراقية، وهي فضيحة ما زالت تتوالى فصولاً وتطال رؤوساً في البيت الابيض وقد تصل نارها الى نائب الرئيس نفسه بعد ان طالت رأس مدير مكتبه. واذا تذكرنا فضيحة نائب فلوريدا المقرب من بوش، الذي كان احد ابرز الواعظين في الاخلاق والقيم العائلية ليتضح فيما بعد انه شاذ يطارد الاطفال والفتيان فيضطر للاستقالة. فماذا بقي من الرسالة الالهية التي يتبناها الرئيس الامريكي وادارته؟ السقوط السياسي وبالاضافة الى الفشل العسكري والسقوط الاخلاقي، فأن نظرة الى التراجع المذهل للادارة الامريكية الحالية على الصعيد السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها تبدو كافية لكي ندرك حجم التردي السياسي الذي لحق بهذه الادارة داخل بلادها، كما التردي الذي الحقته الادارة ببلادها على المستوى الدولي. فداخل الولايات المتحدة الامريكية لم يعد خافياً على احد التراجع المريع في شعبية الرئيس الحالي، الذي بات معروفاًُ بالرئيس الاقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، كما لم يعد خافياً بعد الانتخابات النصفية الاخيرة حجم الانقلاب الكبير في المزاج الشعبي الامريكي الذي تشير افضل استطلاعات الرأي، بالنسبة الى الادارة، ان حوالي ثلثي الامريكيين يرفضون السياسة المعتمدة حالياً. لقد ادى هذا الانقلاب الى تفاعلات داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس نفسه بدءاً من خروج وزير ماليته الاسبق أونيل،فوزير خارجيته كولن باول ، وصولاً الى وزير الدفاع رامسفيلد، ووزير الجيش، وقريباً وزير العدل المنتظر استقالته على خلفية فضيحة اقالته لثمانية من المدعين العامين في واحدة من ابشع مظاهر التدخل في القضاء، ناهيك عن تساقط عدد كبير من جماعة المحافظين الجدد الذين لم يتورع بعض اركانهم عن تحميل بوش نفسه مسؤولية فشل سياستهم. واذا تطلعنا الى المجتمع الاستخباراتي الامريكي المشهود له بالاستقرار والديمومة، فنلاحظ تغييرات متسارعة اطاحت بالرئيس السابق للوكالة جور |