|
اعتذار الفاتيكان المطلوب عن "الحروب الصليبية "
نشرت الخليج يوم 27/11/2007 رسالة
اعتذار ثلاثمائة عالم ورجل دين مسيحي عن غزو الفرنجة ، المعروف بمصطلح
"الحروب الصليبية " ، ومع تقدير أصحاب الرسالة ونواياهم الطيبة ، إلا أن
الاعتذار الذي يجب مرارات الماضي ويؤسس لحوار بناء في الحاضر مطلوب من
المؤسسة التي دعت للعدوان ورعته . وكان الظن أن يزور قداسة البابا لدى
زيارته دمشق ضريح صلاح الدين ، ويعتذر للعرب مسلمين ومسيحيين عما ارتكب
بحقهم تحت راية البابوية بدءا من الحملة الأولى ، التي دعا لها البابا
اوربان الثاني بخطابه في كليرمونت في 26/11/1095 ، لوقف الصراعات بين
المسيحيين في أوروبا وتوجههم للديار المقدسة . مستهدفا تعزيز مركزه في
نزاعه على الكرسي البابوي ، حين كان منفيا في جنوبي فرنسا ، ويخوض صراع قوة
مع الإمبراطور هنري الرابع . ويتضح أن البابا غلف دعوته الدنيوية بلبوس
ديني ، بما لا يختلف عن تغليف الدعوة الصهيونية بأساطير التوراة .
وكما جاء الصهاينة المشرق العربي
مسكونين بثقافة عنصرية ، كان غالبية المستجيبين للدعوة الصليبية أسرى ثقافة
طائفية مشوهة ، بحيث اعتبروا المسيحيين الشرقيين " هراطقة" والمسلمين "كفرة
" وبرابرة" . وفي يوميات معاصريهم شهادات حية عن الإرهاب "المقدس "الذي
اقترفوه طوال مقامهم في المشرق العربي ، منها على سبيل المثال : مذكرات
الأميرة أنا كومينا ، ابنة الإمبراطور الكسيس كومانين ، إمبراطور بيزنطة
غداة الحملة الأولى ، ويوميات صاحب "أعمال الفرنجة" .
وفي تعقيبه على مجزرة القدس كتب
جوستاف لوبون : "لم يكتف قومنا الصليبيون الأتقياء بضروب العسف والتدمير
والنهب التي اتبعوها ، بل عقدوا مؤتمرا اجمعوا فيه على ابادة جميع سكان
القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى ، الذين كان عددهم ستين ألفا ،
فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية أيام ، ولم يستبقوا منهم شيخا أو امرأة " . وما
بين الرها في الشمال الشرقي ، وإنطاكية في الشمال الغربي ، وحتى القدس
والرملة في الجنوب ، تسببت الممارسات العنصرية بتشتت من كتبت له النجاة من
أهالي البلاد مسلمين ومسيحيين . وفي هذا يقول د. نقولا زيادة : "الحملة
الصليبية الأولى ، والفظائع التي ارتكبتها ، في احتلال القدس ، ليس مما
يشرف . وقد ظهر لنا رغبات الصليبيين من خلال تصرفهم السىء مع مسيحيي فلسطين
. فقد استولوا على أديرتهم وطردوهم من الكنائس والبيوت . فتبعثر المسيحيون
في جهات فلسطين وشرق الأردن ، وسار البطريرك إلى القاهرة ليعيش في حماية
الفاطميين " .
ولقد افتقد أتباع الكنيستين
الاورثوذكسية واليعقوبية ، بغياب السلطة الفاطمية ، التزام الحكام بالحرية
الدينية التي جاء بها الإسلام . كما عانوا من اعتبارهم أتباعا ثانويين
للمؤسسة الكنسية اللاتينية . فبعد سقوط إنطاكية حل بطريرك لاتيني محل
الأرثوذكسي ، وفي القدس احتل بطريرك لاتيني محل القبطي . ويقرر المؤرخ ار .
سي . سميل "اضطر الأرثوذكس إلى تقديم الطاعة وضريبة العشر إلى رجال
الكنيسة الأعلى والمنتمين إلى جنس دخيل والممارسين طقوسا مختلفة " ...
ويذكر أن الأقباط منعوا من الحج إلى بيت المقدس لاعتبارهم "هراطقة" . ولما
دخل الصليبيون دمياط قتلوا كثيرين من الأقباط ، واخذوا أطفالهم أسرى ،
وانكروا عليهم حقوقهم ، وعينوا مطرانا لاتينيا للكنيسة القبطية .
وفي القدس ، وبقيه المدن المحتلة ،
حولت المساجد لكنائس ، وأزيلت منها المحاريب ، ورفعت عليها الصلبان ، وسمي
مسجد قبة الصخرة "هيكل الرب" ، وحول جزء من المسجد الأقصى إلى كنيسة باسم
"هيكل سليمان " واتخذوا بقيته مسكنا للفرسان . وفرضوا على المسلمين "جزية"
على النفوس ، وضريبة على محاصيلهم . ولقد اضطرت الحملات المتوالية من
أوروبا غالبية المواطنين : مسلمين ومسيحيين ، إلى اللجوء للمناطق غير
المحتلة ، تماما كما جرى لعرب فلسطين سنة 1948. ولم تقم بين الفرنجة ومن
أجازوا بقاءهم من المسلمين والمسيحيين الشرقيين علاقات ايجابية ، وإنما كان
العداء المكتوم والشكوك المتبادلة كامنة لدى الطرفين ، بما لا يختلف عن
الواقع في ظل الاحتلال الصهيوني لفلسطين .
وطوال قرني الصراع شكل المسيحيون ،
العرب والسريان ، جزءا من المجتمع العربي ، ووجد فيهم الحكام رعايا مضموني
الولاء . ويذكر سميل أن الأقباط هم الذين كشفوا مؤامرة أموري الأول ، ملك
القدس الفرنجي ، للانقلاب على صلاح الدين سنة 1774 . وحول اندماج المسيحيين
الشرقيين في النسيج الاجتماعي العربي كتب يقول : "لا يعود ذلك فقط إلى
ارتباطهم بالعرب المسلمين بروابط التاريخ واللغة والعادات ، وإنما أيضا
لأنهم عاشوا عدة قرون تحت حكم الخلفاء الإسلامي المتسامح على وجه العموم ،
فيما وجدوا أنفسهم تحت حكم كاثوليكي افرنجي لا يوفر حرية العبادة
والاعتقاد" .
وتحالف الفرنجة والأرمن مع المغول ،
وتعاون معهم بعض أهالي المنطقة ، بحيث واجهت الدولة الأيوبية وضعا حرجا
للغاية . وعندما كان لويس التاسع يحاصر المنصورة برز المماليك كفرسان
منقذين . ولأنهم لم يكونوا قد تمثلوا الثقافة العربية الإسلامية . تشددوا
مع الذين اتهموا بمناصرة التحالف الإفرنجي – المغولي . وتعكس ممارساتهم في
المرحلة التالية من حكمهم قدرا غير يسير من الانفتاح تجاه المسيحيين
واليهود والشيعة والعلويين والدروز والإسماعيليين ، كنتيجة لتراجع حدة
المخاطر الخارجية وتغير الظروف الداخلية .
وخلال قرني الغزو وفي اعقابهما شهدت
بلاد الشام إقبالا واسعا على الإسلام . ويعيد د . كمال صليبي ذلك لانتقام
المماليك من النصارى لسلوكهم في الفترة الصليبية . بينما يذكر سير توماس
ارنولد "إن المسلمين حين استردوا سلطانهم على الأراضي المقدسة بسطوا على
المسيحيين روح التسامح التي كانت من قبل " . فيما يقرر فكتور سحاب أن
"الغزو الأوروبي أوقع المسيحيين العرب في حرج ألطف ما يقال فيه أنه خيرهم
بين الوقوف مع بني دينهم والوقوف مع بني قومهم . ويبدو أن المسيحيين العرب
في معظمهم اختاروا الحل الثاني ، فكان المسعى الصليبي وبالا على المسيحية
العربية من حيث ظن أو صور انه دفاع عنها " .
وإذا كان مطلوبا من الفاتيكان
الاعتذار للعرب مسلمين ومسيحيين عما أصابهم من الغزوات التي دعا لها اوربان
الثاني ورعاها خلفاؤه ، فانه مطلوب من جميع العرب ، خاصة الدعاة ، الحرص
على الوحدة الوطنية باعتبارها الدرع الواقية في مواجهة تحديات اليوم ، كما
كانت في التصدي لغزاة الأمس .
عوني فرسخ
18 ديسمبر 2007
|